اِنْتِهَاك أوّلاً - التعريف: الانتهاك - لغة -: مصدر انتهك، من النهك، و هو التنقّص. و نهكته الحُمّى نَهْكاً و نَهَكاً و نَهاكَة و نَهْكَة: جهدته و أضنته و نقصت لحمه، فهو منهوك، إذا رُئي أثر الهزال فيه من المرض.و النهك: المبالغة في كلّ شيء. و انتهاك حرمة الشخص أو الشيء: تناوله بما لا يحلّ . و استعمل الفقهاء الانتهاك في نفس المعنى اللغوي. ثانياً - الألفاظ ذات الصلة: 1 - التعظيم: و هو التفخيم و التبجيل .و على هذا فهو يقابل الانتهاك، و التقابل بينهما تقابل التضادّ؛ إذ الانتهاك كالتعظيم أمر وجودي لا عدمي. 2 - الهتك: و هو أن تجذب ستراً فتشقّ منه طائفة أو تقطعه، فيبدو ما وراءه منه . و قد يقال بدل (نهك حرمته): (هتك حرمته)، و عليه فالانتهاك عند ما يتعلّق بالحرمات و الأشخاص يرادف الهتك في هذا المورد. 3 - الاستخفاف: من معانيه اللغوية الاستهانة و التهاون، يقال: استخفّ به، إذا استهان به و أهانه، و استخفّه خلاف استثقله، أي رآه خفيفاً ، و يعبّر عنه أيضاً بالاستحقار و الاحتقار و الانتقاص و الازدراء و نحو ذلك.و الاستخفاف أعم من الانتهاك. ثالثاً - ما يتحقّق به الانتهاك: قد يتحقّق الانتهاك بالقول - كالسبّ و الشتم - و قد يتحقّق بالفعل كالضرب و نحوه. و الفعل الدالّ على الانتهاك قد يكون بذاته انتهاكاً بحيث لا ينفكّ عنه بوجه و إن لم يكن فاعله قاصداً للانتهاك - كإلقاء النجاسة على الشيء المحترم - و قد لا يكون كذلك، بل يرتبط بقصد الفاعل كاستدبار ضريح المعصوم عليه السلام. رابعاً - الحكم الإجمالي و مواطن البحث: لا شكّ و لا خلاف في حرمة انتهاك حرمات اللّٰه، و المستفاد من كلمات الفقهاء أنّ هذا الحكم من ضروريّات الدين و مسلّمات الفقه، و ادّعي عليه الإجماع، بل الضرورة . و استدلّ لذلك باُمور: 1 - قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اَللّٰهِ وَ لاَ اَلشَّهْرَ اَلْحَرٰامَ وَ لاَ اَلْهَدْيَ وَ لاَ اَلْقَلاٰئِدَ وَ لاَ آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرٰامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوٰاناً» . و هذا خطاب من اللّٰه تعالى للمؤمنين ينهاهم أن يحلّوا شعائر اللّٰه.و اختلفوا في معنى شعائر اللّٰه على أقوال: فقال بعضهم: معناه: لا تحلّوا حرمات اللّٰه، و لا تعدّوا حدوده، و حملوا الشعائر على المعالم، و أرادوا بذلك معالم حدود اللّٰه و أمره و نهيه و فرائضه. و قال بعض: معناه: لا تحلّوا حرم اللّٰه، و حملوا شعائر اللّٰه على معالم حرم اللّٰه من البلاد. و قال آخرون: معنى شعائر اللّٰه مناسك الحجّ، و المعنى: لا تحلّوا مناسك الحجّ، فتضيّعوها.و غيرها من المعاني .إلى غير ذلك من الآيات الكريمة . 2 - روايات كثيرة: منها: ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ للّٰه حرمات ثلاثاً، من حفظهنّ حفظ اللّٰه له أمر دينه و دنياه، و من لم يحفظهنّ لم يحفظ اللّٰه له شيئاً: حرمة الإسلام، و حرمتي، و حرمة عترتي» . و منها: ما رواه عبد اللّٰه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إنّ للّٰه عزّ و جلّ حرمات ثلاثاً ليس مثلهنّ شيء: كتابه و هو حكمته و نوره، و بيته الذي جعله قبلة للناس لا يقبل من أحد توجّهاً إلى غيره، و عترة نبيّكم صلى الله عليه و آله و سلم» . و منها: ما رواه عيسى بن داود عن موسى عن أبيه جعفر عليهما السلام في قوله تعالى: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اَللّٰهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» قال: «هي ثلاث حرمات واجبة، فمن قطع حرمة فقد أشرك باللّٰه: انتهاك حرمة اللّٰه في بيته الحرام، و الثانية: تعطيل الكتاب و العمل بغيره، و الثالثة: قطيعة ما أوجب اللّٰه من فرض مودّتنا و طاعتنا» . 3 - إنّ العقل يستقلّ بقبح انتهاك حرمة اللّٰه سبحانه و تعالى و انتهاك جميع ما هو محترم و معظّم عنده؛ لأنّه يؤول إلى انتهاك حرمته تعالى، و عليه فيستحقّ المنتهك الذمّ و العقاب، و كلّ فعل يستقلّ العقل بقبحه و استحقاق فاعله الذمّ و العقاب فهو حرام و مبغوض عند الشارع أيضاً؛ لقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع . 4 - إنّ من ضروريّات الدين و مسلّماته و المرتكز عند المتشرّعة هو حرمة انتهاك محترمات الدين و عدم جوازه؛ و لذا يعترضون على من انتهكها، و ينكرون فعله أشدّ الإنكار و إن كانت مراتب إنكارهم مختلفة باختلاف مرتبة المحترمات، فلو انتهك أحد - و العياذ باللّٰه - الكعبة أو ضريح رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أو القرآن الكريم، فإنكارهم ربّما ينجرّ إلى قتل المنتهك؛ لكشفه عن ارتداده . ثمّ إنّ لحرمة انتهاك محترمات الدين تطبيقات كثيرة نشير إليها إجمالاً - و من أراد التفاصيل فليراجع محالّها - و هي: أ - انتهاك حرمة اللّٰه تعالى؛ فإنّ حرمته من ضروريّات الدين، و العقل يستقلّ بقبح انتهاك حرمته و استحقاقه الذمّ و العقاب، بل قد يوجب الارتداد و الكفر. ب - انتهاك حرمة الأنبياء عليهم السلام، فإنّه حرام بلا ريب.و يلحق بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم الأئمّة المعصومون عليهم السلام و السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام . و مستند الإلحاق ما علم من الأدلّة المتعدّدة من أنّهم عليهم السلام بمنزلة النبي صلى الله عليه و آله و سلم تجري الأحكام الواردة في حقّه عليهم، إلّا ما خرج بدليل، فالكلّ يجري مجرى واحد . و من انتهاك حرمتهم عليهم السلام انتهاك حرمة تربتهم عليهم السلام لا سيّما تربة الإمام الحسين عليه السلام ، و قد دلّت على ذلك روايات عديدة . ج - انتهاك حرمة الملائكة؛ فإنّه لا شكّ في أنّ لهم عند اللّٰه مقاماً و شأناً عظيماً . د - انتهاك حرمة القرآن الكريم و سائر الكتب السماوية . و يستدلّ لعدم جواز انتهاك حرمة اللّٰه و رسوله و آياته بقوله تعالى: «قُلْ أَ بِاللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ» . ه - انتهاك الأحكام و المجعولات الشرعية، كانتهاك الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج . و - انتهاك حرمة الأزمنة و الأمكنة الشريفة، كانتهاك حرمة شهر رمضان المبارك و يومي الجمعة و عرفة، و الأشهر الحرم ، و الكعبة المعظّمة، و المساجد و المشاهد المشرّفة . و الشاهد على ذلك تغليظ الدية في الأشهر الحرم ، و تحريم تنجيس المساجد و المشاهد، بل وجوب إزالة النجاسة عنها ، و غير ذلك أيضاً. ز - انتهاك حرمة المؤمن بغيبة أو سخرية أو سبّ أو شتم أو غيرها؛ إذ المؤمن له حرمة و شأن عظيم في الشرع.و لا فرق في ذلك بين كونه حيّاً أو ميّتاً . و يشهد لذلك بعض الروايات ، منها: خبر صفوان، قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «أبى اللّٰه أن يظنّ بالمؤمن إلّا خيراً، و كسرك عظامه حيّاً و ميّتاً سواء» . و أيضاً حرمة التخلّي على قبور المؤمنين مع الهتك كما ذكره بعض الفقهاء . خامساً - آثار الانتهاك: يترتّب على الانتهاك آثار تختلف باختلاف المنتهك به و القصد و النيّة، فقد يوجب الانتهاك مع الالتفات و القصد ارتداد المنتهك و كفره كانتهاك حرمة الباري تعالى و الأنبياء و الأئمّة المعصومين و الصدّيقة الطاهرة عليهم السلام، و الملائكة و المصحف الشريف و الأحكام الشرعية من حيث كونها أحكاماً شرعية، و نحو ذلك ممّا يدلّ على انتهاك حرمة الدين و الاستهزاء به . (انظر: ارتداد) و قد يوجب الانتهاك الفسق و الخروج عن العدالة كغيبة المؤمن غير المتجاهر بالفسق و قذفه و اتّهامه و نحو ذلك. بل قد يجب ردّ حيثية الإنسان المؤمن الذي انتهكت حرمته و تحسين صورته في بعض الموارد على تفصيل يذكر في محلّه. (انظر: غيبة، قذف) 
تم استخراج هذا الوصف آلیاً
( موسوعة الفقه الإسلاميموسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البیت علیهم السلام
, ج18 , ص61) 