أثقل من مغنّ وسط الثقل مر، والمغني اسم فاعل من الغناء، وبالمد، و هو الصوت. والوسط يكون تارة اسماً غير وصف. فإن كان بالتحريك، فاسم صريح لمّا بين طرفي الشيء، و إنَّ كان بالسكون فظرف، كقول عنترة: ما راعني إلاّ حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الخمخم ويقال: كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلاّ فبالفتح. وقيل: هما جاريان فيما كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك و هذا الذي قلنا أولاً. و قد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقولهتعالى:) وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (. و أما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح و التفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء و الأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. و أما الشهادة فنحو قولهسبحانه قال:) أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية و التعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة و العجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء و الشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيداً جدا أمتع وأطرب؛ و إنَّ كان بارد جداً أضحك وألهى، وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: "و إنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو انتهى. وقال أبن رشيق:" قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط و الغناء الوسط. و قد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور: عدمتك يا أبي الطاهر وأطعمت ثكلك من شاعر فما أنت سخن ولا بارد وما بين هذا سوى الفاتر وأنت كذاك تغثي النفوس تغثية الفاتر الخاثر ونحو هذا قول الآخر: مسيخ مليخ كلحم الحوار فلا أنت حلو ولا أنت مر! وسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء اللهتعالى. 
تم استخراج هذا الوصف آلیاً
( زهر الأكمزهر الأكم في الأمثال و الحكم
, ج2 , ص9) 