إيواء أوّلاً - التعريف: الإيواء - لغة -: مصدر آوى، و هو و أوى بمعنى واحد ، و هو ضمّ الإنسان غيره إلى نفسه ، كقوله تعالى: «وَ لَمّٰا دَخَلُوا عَلىٰ يُوسُفَ آوىٰ إِلَيْهِ أَخٰاهُ» . أو إلى مكان يقيم و يأمن فيه؛ و منه قوله تعالى: «فَأْوُوا إِلَى اَلْكَهْفِ» ، أي انضمّوا إليه . و يأتي بمعنى العود، تقول: أوى إلى اللّٰه، أي رجع إليه ، و أوى إلى فراشه، أي رجع و انضمّ إليه . و المأوى: كلّ مكان يأوي إليه شيء . و يأتي بمعنى الإنزال، تقول: أويت فلاناً، إذا أنزلته بك . و كذا يأتي بمعنى اللجوء، تقول: أوى إلى مكان، أي لجأ . و منه قوله تعالى: «قٰالَ سَآوِي إِلىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ اَلْمٰاءِ» . و يستعمله الفقهاء في نفس المعنى اللغوي. ثانياً - الحكم الإجمالي و مواطن البحث: استعمل الفقهاء لفظ الإيواء بمعانيه المتقدّمة في أبواب متفرّقة من الفقه كإيواء اليتيم، و إيواء المشرّد، و إيواء الضيف، و إيواء الفارّ من الظالم، و إيواء اللقطة، و الجاسوس و الجاني، و هو ما سنشير إلى أهمّه - إجمالاً - عبر تقسيم الإيواء إلى راجح و مرجوح، و ذلك كما يلي: 1 - الإيواء الراجح: ذكر الفقهاء بعض المصاديق للإيواء الراجح أبرزها: أ - إيواء المسلم: من مستحبّات العلاقة مع المسلم إيواؤه عند الحاجة، فلو رأى مسلم مسلماً جائعاً أو عرياناً أو لا يملك مسكناً فإنّ إيواءه في المنزل و إطعامه و الإحسان إليه من أعظم المستحبّات، بل يصرف في هذا المورد الحقّ الشرعي حسب المقرّر لو كان فقيراً أو ابن سبيل، و هو من مصاديق البرّ و الإحسان و فعل الخير المأمور به في الشريعة الإسلامية. و من أبرز المصاديق هنا إيواء الذرّية النبوية و أهل البيت عليهم السلام، فمن المسلّم عند جميع الفقهاء ممدوحية مودّة ذرّية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السلام التي من مصاديقها صلتهم و إيواؤهم كما أمر به بعض الفقهاء ضمن وصيّته لابنه . و تدلّ على ذلك آية المودّة ، و ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الخلائق، أنصتوا فإنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم يكلّمكم، فتنصت الخلائق، فيقوم النبي صلى الله عليه و آله و سلم فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتى أُكافئه، فيقولون: بآبائنا و اُمّهاتنا، و أيّ يد و أيّ منّة و أيّ معروف لنا؟! بل اليد و المنّة و المعروف للّٰه و لرسوله على جميع الخلائق، فيقول لهم: بلى من آوى أحداً من أهل بيتي، أو برّهم، أو كساهم من عري، أو أشبع جائعهم فليقم حتى أكافئه، فيقوم اُناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند اللّٰه تعالى: يا محمّد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك فأسكنهم من الجنّة حيث شئت...» . (انظر: آل البيت، ذرّية) ب - إيواء اليتيم: يستحبّ إيواء اليتيم من أطفال المسلمين و كفالتهم، و ذلك بالإنفاق عليهم، و هو من صنائع المعروف ، و من مصاديق التولّي لهم و لاُمورهم. و يترتّب الثواب عليه، كما ورد عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام - في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام - قال: «يا علي، أربع من كنّ فيه بنى اللّٰه له بيتاً في الجنّة: من آوى اليتيم، و رحم الضعيف، و أشفق على والديه، و رفق بمملوكه...» . (انظر: إحسان، يتيم) 2 - الإيواء المرجوح: ذكر بعض الفقهاء موارد يكون الإيواء فيها مرجوحاً، و أهمّها إجمالاً ما يلي: أ - إيواء الجاسوس و المحارب: صرّح الفقهاء بحرمة إيواء عيون أعداء الإسلام و جاسوس المشركين؛ لما في ذلك من الإضرار بالمسلمين و مصالحهم العليا، حيث يكون في إيوائه توفير الأمن و الاستقرار له، الأمر الذي يمكّنه أكثر فأكثر من القيام بمهمّته العدوانية التي يعتزم القيام بها، كما أنّ ذلك من الإعانة على الإثم. هذا إذا لم يُلتزم بوجوب تسليمه إلى ولاة الأمر لمعاقبته و الحدَّ من إضراره بمصالح المسلمين. بل ذكر الفقهاء أنّ من شرائط الذمّة ترك إيواء عيون المشركين و جواسيسهم ، بحيث لو أخلّ أهل الذمّة بذلك انفسخ العقد معهم؛ لما في إيوائهم له من إعلان الحرب و كسر قواعد العهد و المعاهدة عرفاً و عقلائياً. (انظر: أهل الذمّة) كما أنّ المشهور شهرة عظيمة نفي المحارب من مصر إلى مصر، و لا يسمح له بالاستقرار على وجه الأرض و لا يؤوى حتى يموت ؛ لصحيحة حنان عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في قول اللّٰه عزّ و جلّ: «إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» ، قال: «لا يبايع و لا يؤوى و لا يتصدّق عليه» . (انظر: حرابة) ب - إيواء الملتجأ إلى الحرم: نصّ الكتاب الشريف على أنّ الحرم مأمن، و لا يجوز هتك حرمته و ذلك بقوله تعالى: «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً...» .و عليه فلا يقام الحدّ مطلقاً على من التجأ إليه؛ التزاماً بهذا المبدأ العام الذي لا مخصّص له. و من هنا أجمع الفقهاء على أنّ من أحدث ما يوجب حدّاً أو تعزيراً أو قصاصاً و التجأ إلى الحرم لا يؤوى حتى يخرج من الحرم، فيؤخذ و يقام عليه الحدّ . و استدلّ له أيضاً بصحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤوى حتى يخرج من الحرم» .فإنّ عدم إيوائه أو إطعامه لا يخرجه عن حالة الأمن لكنه يجبره على الخروج من الحرم، ما يحقّق موضوع جواز إلقاء القبض عليه و إنزال العقاب به. (انظر: حرم) ج - إيواء العاصي: لا يحرم إيواء العصاة من المسلمين، بل حتى غير المسلمين.نعم، ذكر بعض الفقهاء المعاصرين أنّه يحرم إيواء المغنّية لأجل غنائها و تسهيل عملها المحرّم ؛ و ذلك لرواية نصر بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: «...و المغنّية ملعونة، و من آواها ملعون، و آكل كسبها ملعون» ، بناءً على ظهور اللعن في إفادة الحرمة، و إلّا فإذا بني على إفادته الكراهة أو جامع المبغوضية الأعم من الحرمة و الكراهة المصطلحة فلا يفيد الحرمة هنا بعنوانه. نعم، قد يلتزم بحرمة إيواء غير المغنية مثل السارق و لاعب القمار و القاتل و الجاني و غيرهم إذا كان في ذلك إعانة له على الإثم لا مطلقاً، بناءً على حرمة الإعانة على الإثم. و على تقدير لزوم تسليم أيّ جانٍ أو فارّ من العدالة القضائية إلى السلطات المختصّة و لو من خلال حكم ولائي صادر من الجهة المعنية المخوّلة، فإنّه يحرم إيواؤه و الحيلولة دون تسليمه إلى تلك الجهات الشرعية. د - إيواء القمامة في البيت: صرّح بعض الفقهاء بكراهة إيواء القمامة في البيت خصوصاً خلف الباب ، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تؤووا التراب خلف الباب؛ فإنّه مأوى الشياطين» . و ورد أيضاً في رواية اُخرى عدم إيواء منديل اللحم في البيت . (انظر: مسكن) الوضوء عند الإيواء للفراش: صرّح جماعة من الفقهاء باستحباب الوضوء عند الإيواء للفراش؛ و ذلك لرواية محمّد بن كردوس عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «من تطهّر ثمّ آوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده...» . و هناك فرع آخر ذكره جماعة من الفقهاء أيضاً، و هو أنّه إذا آوى إلى فراشه ثمّ ذكر أنّه ليس على وضوء جاز له التيمّم رجاءً و إن تمكّن من استعمال الماء ؛ بمعنى أنّه يتيمّم من دثاره، لا أن يتيمّم قبل دخوله في فراشه متعمّداً مع إمكان الوضوء . (انظر: تيمم، وضوء) 
تم استخراج هذا الوصف آلیاً
( موسوعة الفقه الإسلاميموسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البیت علیهم السلام
, ج19 , ص442) 